لماذا تفشل التطبيقات “المثالية” برمجياً؟ السر الذي لا تخبرك به سطور الكود

بقلم: د. مصطفى أبوالنيل

استشاري أول تجربة المستخدم (Senior UX Consultant)

حساب الدكتور مصطفى على لينكدإن

تصور أنك قررت بناء قصرٍ منيف، استعنت بأفضل المهندسين المعماريين، واستخدمت أجود أنواع الرخام والأسمنت، وتم التأسيس الكهربائي بدقة متناهية.. لكن بعد انتهاء البناء، اكتشفت أن أبواب الغرف ضيقة جداً بحيث لا تسمح بمرور الأشخاص، وأن المصعد بعيدٌ تماماً عن المدخل هل ستشفع جودة البناء الهندسية في نجاح القصر كسكن؟ بالطبع لا. الجودة الهندسية شرط ضروري، لكنه غير كافٍ.”.

هذا هو الضبط ما يحدث في عالم المنتجات الرقمية. فنحن غالباً ما نقع في فخ الاعتقاد بأن “الكفاءة البرمجية وجودة الكود” هي الإنجاز الوحيد، وأن ما عداها ليس إلا مجرد “كماليات” جمالية.

ذي صلة: 5 مبادئ لتصميم لوحات تحكم سهلة ومفيدة للمستخدمين

فخ “الإنجاز التقني”

فشل التطبيقات "المثالية" برمجياً
فشل التطبيقات “المثالية” برمجياً

في بيئات العمل السريعة التي نعيشها اليوم (أو ما يعرف ببيئات Agile)، لم يعد التحدي الحقيقي هو: «هل يمكننا برمجة هذه الفكرة؟»، بل أصبح السؤال الجوهري: «هل ما نبرمجه يستحق الاستخدام فعلاً؟».

إن الكثير من الشركات تتباهى بامتلاكها أسرع دورة تطوير برمجيات، لكنها تصدم في النهاية بمنتج لا يحقق أي عائد على الاستثمار (ROI) ويهجره المستخدمون سريعاً.

لماذا يحدث هذا الفشل رغم جودة الكود؟

3 أسباب لفشل التطبيقات
3 أسباب لفشل التطبيقات

ببساطة، لأن المنتج فشل لأسباب “إنسانية” وليست تقنية، ومن أبرزها:

  1. علاج العَرَض لا المرض: تحديد المشكلة واحتياجات المستخدمين كان خاطئاً منذ البداية، فبنينا حلاً تقنياً لمشكلة غير موجودة أصلاً.
  2. سلطة الرأي الشخصي: اتخاذ قرارات التصميم بناءً على ذوق صاحب المشروع أو حدس المصمم، بدلاً من الاعتماد على بيانات وحقائق مستمدة من المستخدمين الحقيقيين.
  3. إهمال “شمولية التصميم”: التعامل مع إمكانية الوصول (Accessibility) كرفاهية، مما يخلق عوائق غير مرئية أمام شريحة واسعة من المستخدمين، ويجعل تكلفة إصلاح المنتج لاحقاً باهظة جداً.

الحل: التحول من ‘تنفيذ الميزات’ إلى ‘نموذج تشغيل’ يضع الإنسان في قلب المعادلة.

لكي ينجح أي منتج رقمي، يجب أن ننتقل من عقلية “حشد الميزات التقنية” إلى عقلية “صناعة القيمة المضافة”. وهذا ما نطلق عليه التصميم المتمحور حول الإنسان (Human-Centered Design). هذا المفهوم ليس مجرد شعار، بل هو نموذج عمل يرتكز على أربعة محاور:

  • التعاطف (Empathy): هو أداة استراتيجية لتقليل المخاطر. عندما نفهم السياق العاطفي والمخاوف التي يواجهها المستخدم، فإننا نصمم لبشر حقيقيين، لا لصور ذهنية افتراضية في مخيلتنا.
  • إمكانية الوصول والشمول (Accessibility): أن يكون المنتج صالحاً للاستخدام من الجميع مهما كانت قدراتهم. هذا ليس “تفضلاً” منا، بل معيار جودة يقلل الديون التشغيلية ويوسع حصتنا في السوق.
  • تجربة المستخدم الرشيقة (Agile UX): السرعة بلا فهم تنتج فوضى؛ أما السرعة التي تعتمد على “حلقات التغذية الراجعة” (Feedback Loops) المستمرة مع المستخدمين، فهي التي تبني الثقة والنجاح.
  • القرار المبني على الأدلة: البديل العملي لـ “الآراء الشخصية” هو توثيق المنطق وراء كل خيار تصميمي، مما يضمن تناغم الفريق وسرعة الإنجاز.

خارطة الطريق: من النظرية إلى التطبيق

الشركات الرائدة اليوم ليست تلك التي تملك أسرع المبرمجين فحسب، بل تلك التي تمتلك أعمق فهم للبشر الذين يستخدمون منتجاتها. 

من النظرية إلى التطبيق: كيف نحول هذه المفاهيم إلى نموذج تشغيل عملي؟

ضمان نجاح عائد الاسثمار في برمجة التطبيقات
ضمان نجاح عائد الاسثمار في برمجة التطبيقات

ذي صلة: أنظمة التصميم: السر الخفي والرقم 1 وراء تجربة مستخدم سهلة وذكية

إن الانتقال من مرحلة “الإعجاب بالفكرة” إلى مرحلة “التنفيذ الناجح” يتطلب استراتيجية واضحة تحول الشعارات النظرية إلى واقع ملموس. ولتحقيق ذلك، نرتكز على ثلاثة أعمدة أساسية تشكل جوهر نجاح أي منتج رقمي:

1. التعاطف كدرع واقٍ لاستثماراتك

كثيراً ما يُساء فهم “التعاطف” (Empathy) بوصفه مجرد شعور إنساني لطيف، بينما هو في عالم الأعمال أداة استراتيجية لتقليل مخاطر فقدان العائد على الاستثمار (ROI). عندما نضع أنفسنا مكان المستخدم النهائي، فإننا نكشف عن السياقات العاطفية والتعقيدات الواقعية التي قد تعيق استخدام المنتج. هذا الفهم العميق يجنبنا إنفاق ميزانيات ضخمة على تطوير ميزات “نظن” أنها مهمة، لنكتشف لاحقاً أنها لا تلامس احتياجاً حقيقياً. إن التعاطف هنا هو ميزة تنافسية تضمن لك بناء ما يحتاجه الناس فعلاً، لا ما تفترضه مخيلتك.

2. النموذج الهجين: دمج التفكير التصميمي مع مرونة الأجايل

يكمن التحدي الأكبر في الشركات اليوم في التوفيق بين عمق “التفكير التصميمي” (Design Thinking) وسرعة إيقاع “الأجايل” (Agile UX). الحل يكمن في اعتماد نموذج تشغيل هجين؛ حيث لا يصبح التصميم عائقاً أمام سرعة البرمجة، ولا تصبح السرعة سبباً في إنتاج كود بلا قيمة. في هذا النموذج، ننتقل من الأفكار إلى النمذجة السريعة (Prototyping) بشكل متوازٍ مع دورة التطوير، مما يسمح للفريق بإدارة المخاطر واختبار الفرضيات قبل دفع تكلفة التطوير الباهظة. إنها عملية تهدف لتسليم “دروس مستفادة” مع كل إصدار، وليس مجرد ميزات تقنية صماء.

3. حوكمة القرارات وقياس العائد (ROI) بلغة الأرقام

ختام الرحلة وأساس استدامتها يكمن في التحول من “القرارات المبنية على الرأي” إلى “قرارات التصميم المستنيرة بالأدلة”. هذه الحوكمة تضمن أن كل خيار في واجهة المستخدم له منطق قابل للتتبع ويوثق الجدوى وراءه. ومن هنا، نستطيع قياس العائد على الاستثمار بشكل دقيق؛ فالتصميم الجيد يقلل من تكاليف الدعم الفني، ويرفع معدلات الاحتفاظ بالمستخدمين، ويقلل من “الديون التشغيلية” التي تنتج عن إعادة العمل (Rework). إن تجربة المستخدم حين تُقاس بالأرقام، تتحول من “مركز تكلفة” إلى “محرك ربحية” أساسي للمنشأة.

هدفنا هو أن نتوقف عن بناء “ميزات” لا يحتاجها أحد، ونبدأ في بناء “قيم” تغير حياة الناس.

يمكنك مشاركة خبرتك معنا
إذا كنت خبير أو مهتم بمجال تجربة المستخدم وتحب الكتابة، يمكنك مشاركتنا كتابتك لنشرها على المنصة

 

شارك المعرفة